مخيّرون أم مسيّرون؟
سؤالٌ يلازمُ الإنسانَ منذ خُلِق:
هل نمضي في هذه الحياة بإرادةٍ حرّة؟ أم نُساق بما كُتب علينا سلفًا؟
يقول الله عز وجل:
{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]
دلالةٌ واضحةٌ على أن للإنسان حريةَ الاختيار في أفعاله، وإيمانه، وسعيه في دنياه وآخرته.
لكن الإنسان ليس قادرًا على اختيار كل ما يملك؛ فهو مُيَسَّرٌ في نسبه، وأهله، ومجتمعه، ولونه، وشكله، وموضع ولادته.
قراراتٌ كُتبت عليه منذ لحظة مجيئه.
فأيُحتم ذلك على دنياه؟
أيُعقل أن يمضي الإنسان في حياته تابعًا لما وُجد عليه؟
كلا، الإنسان قادرٌ ومُخيّرٌ في اختيار مستقبله،
قادرٌ على تغيير محيطه وبيئته، وتحرير تفكيره ومعتقداته من كل ما فُرض عليه.
ولنا في سيرة النبي ﷺ أوضحُ مثال:
فقد وُلد يتيمًا، وكان أقربُ الناس إليه – عمُّه أبو طالب – كافرًا غير مؤمن بالله،
ورغم ذلك، اصطفاه الله نبيًّا، وجعله سيدًا للخلق، ومصلحًا لأمّته.
فما كانت نشأته، ولا نسبه، عائقًا أمام نوره ولا رسالته.
لكل إنسانٍ في هذه الحياة ظروفٌ تعيقه وعوائق تمنعه من تكوين نفسه فيصبح الإنسان غارقا في بحرا لا يستطيع النجاة منه،
فاقدًا للأمل، مُتلفًا للشغف، عاجزًا عن معرفة من يكون.
ولكن الإنسان خُلق للجهاد في دنياه، أو يُعقل أن يبقى الإنسان تائهًا في دنياه؟
فليس لنا في دنيانا إلا استمراريه السعي
يقول تعالى:
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
أبقى يا بني آدم وابحث واسعَ
كل إنسان سيحصد بما عمل، وسيلقى ما صنع.
ولكن
هل الإنسان مسير في بعض أمور دنياه؟
نعم
موت من أحببته، مصيبة قد ابتلاك الله بها، أمرٌ قد كتبه الله لك لا مفر لك منه.
يقول الله تعالى:
{وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 29]
كل شيء بيده، وكل أمرٍ مردّه إليه،
فاسعَ بما تملك، وارضَ بما لا تملك.
فاصبر يا بني آدم، أرضى بقدرك المكتوب وجاهد في ما أنت قادر على تغييره.
فليس كل ما يتمناه المرء يملكه،
فبين السعي والرضا تُكتب حكايتك.
وفي ختامي أرى:
أن الإنسان مخير فيما يرى
وميسر فيما لا يرى

قرأت مقالك عن أن الإنسان ليس له إلا سعيه، وأنه بين التخيير والتسيير، ولامس قلبي بعمقه وصدقه. أسلوبك جميل وفكرك راقٍ، فشكرًا لك لأنك كتبت ما يستحق أن يُقرأ، وأيقظت فينا وعيًا نحن بأمس الحاجة إليه. زادك الله نورًا وبصيرة 🤍
شكرًا على طرحك الجميل ، بالحقيقة الإنسان مخير و ميسر بهذه الدُنيا ، لكن كل هذا الاختيار مكتوب باللوح المحفوظ ، و عملنا بالدُنيا سيكون حجة لنا أو علينا ، الدُنيا فيها فتن و خيارات كبيرة للإختبار و لكُل إنسان و إختباره بهذه الحياة الشاقة ، و لكن باب التوبة مازال مفتوح .